السيد محمد تقي المدرسي
14
معالم الحضارة الإسلامية (آفاق وتطلعات)
مريم يقول القرآن الكريم بعد ذكر مجموعة من الأنبياء ابتداءً من إبراهيم ، ثم يعقوب ، وإسحاق ، وموسى ، وهارون ، وإسماعيل ، وإدريسعليهم السلام : ( اوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ مِنذُرِّيَّةِ ءَادَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وإِسْرَآئِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ءَايَاتُ الرَّحْمَنِخَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً ) ( مريم / 58 ) . وفي آية أخرى نقرؤها في سورة الحديد ، يقول تعالى : ( لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِوَقَاتَلَ ) ( الحديد / 10 ) ، ويقول عز وجل موجّهاً خطابه للمؤمنين : ( أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا أَن تَخْشَعَقُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِ ) ( الحديد / 16 ) . وهذا هو النصف الأول من الآية ، أما النصف الثاني فهو : ( وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ اوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُالأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ) . هبوط روح الحضارة عند اتباع الأديان وهذه الفكرة نجدها في مجموعة أخرى من الآيات وخصوصاً في قصة بني إسرائيل والتدرّج الحضاري الذي سلكوه ، ومن هذه الآيات نستنتج أن الإنسان في بدء نزول القرآن عليه أن يتلقى الوحي من قبل مجموعة إيمانية مخلصة ونزيهة ، وهؤلاء يتلقون الوحي بفطرتهم ، ويتفاعلون معه بهذه الفطرة النقية ، ولكن الروح الحضارة لا تلبث أن تخبو فيهم شيئاًفشيئاً بسبب طول الأمد ، وبسبب خشيتهم من الجهاد في سبيل اللَّه تعالى وركونهم إلى الدنيا . ومن هذا المنطلق ؛ فإن هناك الكثير منا يبدؤون بتفسير الآيات القرآنية تفسيراً مختلفاً ، ويغيّرون الكلم عن مواضعه ؛ فهم لا يغيّرون الآيات نفسها ، وإنما يغيّرون تفسيرها ، ويؤوّلونها تأويلات متطابقة مع أهوائهم وميولهم ، ويحاولون أنيفتشوا عن آيات متشابهة يتبعونها ، ويتركون الآيات المحكمة الصريحة .